نعتذر على بعض الخلل الفنّي الذي أصاب الموقع بسبب المحاولات الحثيثة للقرصنة*****نعتذر على بعض الخلل الفنّي الذي أصاب الموقع بسبب المحاولات الحثيثة للقرصنة*****نعتذر على بعض الخلل الفنّي الذي أصاب الموقع بسبب المحاولات الحثيثة للقرصنة*****
الأرشيف
التصويت
ما رأيكم في موقعنا الجديد
مؤسسة "الغاوون" الثقافية

المؤسسة الأمّ لـ: دار الغاوون للنشر والتوزيع، صحيفة «الغاوون» الشهرية، مجلة «نقد» الفصلية،

Alghawoon publishing LLC

 

مكتب التحرير

U.S.A: 13112 W. Warren Ave, suite 9

Dearborn MI 48126 

 

مكتب الإدارة

لبنان: بيروت، ص. ب: الحمرا  113- 5626

ت: 0096171573886

التأثير والتأثر في النظم
يسري عبد الغني
العدد 13 - آذار 2009

ما لا شك فيه أن الاختلاف في الأوزان الشعرية، أو في بحر من بحور الشعر، له أثره في اختلاف إمكانات التعبير، فهو أحياناً يجعل الشاعر ميّالاً إلى الإيجاز والاختصار، أو يجعله أقرب إلى الإطناب والاستطراد. وبعض الأوزان تنفخ في القصيدة الشعرية نار العاطفة، وتجعلها أقرب إلى القلوب، وأنفذ في النفوس والمشاعر.

والعلاقة بين القالب العروضي والفكر من أهم العلاقات في الأدب، وثمة أسرار وخصائص أدبية وراء اختيار هذه القوالب الموسيقية، تُفهم من خلال النماذج الشعرية التي حاكاها الشاعر أو اقتبسها.

ومسألة اقتباس الأوزان الأجنبية أو إحداث تغييرات فيها، قد تسهل في بعض أنواع النظم الشعري، وقد تستعصي في بعضها الآخر، سيّما أن لكل لغة خصائصها الذاتية. وفي اللغات الأوروبية أوزان لها حظ مشترك بين جميع الأمم الأوروبية، وبعض هذه الأوزان والقوالب العروضية انتقل فيها من لغة إلى أخرى بناء على استهواء الشعراء.

ومثال ذلك الـ«سوناتا» التي انتقلت بعد دانتي وبتررارك من إيطاليا إلى إسبانيا وفرنسا وإنكلترا، ثم انتشرت في أرجاء أوروبا كلّها.

ومن القوالب العروضية التي انتقلت من أمّة إلى أخرى القافية الثلاثية أو المقطع الثلاثي، وهو بحر «الكوميديا الإلهية» التي كتبها دانتي بالإيطالية، وقد استعمله في الفرنسية - بعد انحسار التيّار الرومنسي الأوروبي - بعض الشعراء الأوروبيين وتوسّعوا فيه، ويمتاز هذا القالب بشيء من القوّة في رتابته، وهو يصلح للقصص الأسطوري.

ومن ذلك أيضاً نظام الأبيات الرباعية المؤلَّفة من مقاطع ثمانية، وقد استُعمل في القرن التاسع عشر للتعبير عن التفكير العاطفي الشجي والحزين بوجه خاص، وعن إخفاء أسرار النفس الإنسانية.

وثمة المقطوعة الشعرية المؤلفة من أربعة أبيات طويلة متساوية، أو شبه متساوية، نظم عليها كل من: لامارتين، وفكتور هوجو، وغراي، العديد من قصائدهم، وهي تصلح لشعر الرثاء الحديث بنعومته ورقّته وكآبته.

ويؤكد الباحثون تأثير هذه الأوزان الأوروبية في شعرنا العربي الحديث، وبالذات في «جماعة أبولو» الشعرية، وفي شعراء المهجر.

كما يسلّم الباحثون بتأثير الأوزان والقوافي الشعرية العربية في الشعر الفارسي، مؤكّدين أن الفرس نقلوا أوزان الشعر العربي إليهم، مثلما نقلوا القافية الموحّدة وفقاً للنمط الشعري العربي.

ومع الإقرار بأنه كان للفرس أوزان شعرية قديمة، فقد لوحظ تشابه البحور الشعرية عند العرب والفرس، فبحرا «المتقارب» و«الرجز الرباعي» (الدوبيت) كانا من الأوزان المعروفة لدى الإيرانيين القدماء، وهما شائعان في أشعارهم، في وقت كانا أقل شيوعاً في الشعر العربي القديم خلال العصر الجاهلي، حيث شاعت بحور: «الطويل»، «الوافر»، «السريع»، «البسيط»، وبعض البحور الأخرى التي تتفاوت شيوعاً وكثرة بين الفرس والعرب. ولا شك في أننا نؤمن بالتأثير العربي في الأدب الفارسي، ومن جوانب هذا التأثير بعض هذه الأوزان الشعرية، إلى جانب التأثير في الموضوعات والأساليب والأفكار.

وكان للموشحات والأزجال الأندلسية أثرها البارز في أشعار التروبادور الأوروبية. والموشحات الأندلسية هي فن جديد ابتكره شعراء الأندلس، وجدّدوا به نظام وزن الشعر، وقافيته التي لم يلتزموا الوحدة فيها، وأنواع الموشّح كثيرة، لكنها تشترك في اشتمال كل منها على أجزاء يسمّى كل جزء منها «مقطوعة»، وله قافية مستقلة تنتهي بلازمة أو قفل يتكرّر مع كل مقطوعة.

ويقال إن من أسباب ظهور الموشحات الأندلسية: تأثر شعراء الأندلس بالغناء الشعبي المتحرّر من الوزن والقافية والذي كان شائعاً بين سكان الأندلس عندما دخلها العرب، وميلهم إلى الدعابة والعبث بالتعبير السهل البسيط، الأمر الذي يجعلهم يضيقون بقيود الوزن والقافية.

وشاعت الموشحات في الأندلس حتى تناولت أغراض الشعر من مدح ووصف وغزل وغير ذلك، ولم تعد مقصورة على الغناء والمرح. وهي تشتمل على أجزاء: الأول هو المطلع، والثاني الذي يليه هو الغصن، وتختلف قافيته عن قافية المطلع مع موافقته له في الوزن، والجزء الثالث هو القفل، ويتّحد مع المطلع في القافية والوزن، والغصن والقفل معاً يسمّيان بيتاً.

وقد ظهر في شعر التروبادور تقليد للموشح الأندلسي، ولديهم أسماء متعدّدة تقابل أجزاء الموشح الأندلسي، فإضافة إلى التأثر في موضوعات الموشح، يظهر التأثر في الوزن جليّاً.

ففي شعر التروبادور، كما في الموشحات، تظهر شخصية الرقيب أو العزول أو الواشي أو الحاسد، الذي يمنع المرأة من الاتصال بأي أجنبي، وتوجد شخصيات أخرى مثل الكاشح، أو الرسول بين الحبيبين. ولا يُصرَّح باسم المحبوبة، بل يُكنّى عنها، كأن يقول الشاعر: أملي أو بُغْيتي.

ويعبّر شعراء التروبادور عن ميلاد الحب من أول نظرة، وعن قسوة المحبوب الذي يخلف مواعيده أو يتجاهل الحبيب، وكذلك خضوع المحب وإخلاصه... إلى آخر هذا الذي نعرفه في شعر الغزل العربي بنوعَيْه العذري والحسّي.

وللموشحات العربية التي تتكلّم على الحب والهجر والمعاناة، وما يفعله الحسّاد، نظائر في الشعر الإسباني، ذكر بعضاً منها محمد غنيمي هلال في كتابه «الأدب المقارن».

وقد حاكى شعراء التروبادور الموشحات والأزجال الأندلسية في المقطوعات التي تتكوّن منها القصيدة، وقد جعلوها سبع مقطوعات، وهو العدد الغالب على الموشحة والزجل.

ويغلب على الموشحات العربية الألفاظ العربية الفصيحة، وقليلاً ما كنا نجد فيها ألفاظا عامية، أما الزجل فكان يُصاغ باللغة العامية الدارجة التي انتشرت في الأندلس آنذاك، واختلطت بها ألفاظ أجنبية. ومن المرجح أن تكون الأزجال الأندلسية قد نشأت في أواخر القرن الرابع الهجري، مع أن ما وصل إلينا منها يُنسب إلى القرن السادس الهجري.

وكان الزجل يُصاغ في بداية الأمر على منوال الموشحات مع اختلال قليل في ما يسمّى «الخرجة» التي هي القفل الأخير في قصيدة الموشح أو الزجل. وهو كالموشحات كان مجالاً للتأثير في شعراء التروبادور، وانتقال ذلك الأدب إلى الآداب الأوروبية كافة.

 

«الغاوون»، العدد 13، 1 آذار 2009

التعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني: (لا يظهر)
التعليق:


شروط النشر:
  • الكتابة باللغة العربية الفصحى.
  • يُفضَّل تدوين الاسم كاملاً.
  • أن يكون التعليق ذا معنى، فلا يقتصر على المجاملات.
  • استعمال اللغة النقدية بعيداً عن الإساءة للكاتب.
  • للمحرِّر الحقّ بتصحيح التعليق لغوياً.
  • وضع إشارة (...) في التعليق المنشور يعني أن هناك محذوفاً خالف شروط النشر.